ابن كثير

267

البداية والنهاية

الرحمن المخزومي فامتنع ، وقال : لمن أدعو وقد هرب نواب البلاد . فقدم الناس رجلا منهم فصلى بهم الظهر والعصر ، وبلغ الخبر إلى حسين الأفطس فدخل مكة في عشرة أنفس قبل الغروب فطاف بالبيت ، ثم وقف بعرفة ليلا وصلى بالناس الفجر بمردلفة وأقام بقية المناسك في أيام منى ، فدفع الناس من عرفة بغير إمام . وفيها توفي إسحاق بن سليمان ( 1 ) . وابن نمير ( 2 ) . وابن شابور ( 3 ) . وعمرو العنبري ، والد مطيع البلخي ، ويونس بن بكير ( 4 ) . ثم دخلت سنة مائتين من الهجرة في أول يوم منها جلس حسين بن حسن الأفطس على طنفسة مثلثة خلف المقام وأمر بتجريد الكعبة مما عليها من كساوي بني العباس ، وقال : نطهرها من كساويهم . وكساها ملاءتين صفراوتين عليهما اسم أبي السرايا ، ثم أخذ ما في كنز الكعبة من الأموال ، وتتبع ودائع بني العباس فأخذها ، حتى أنه أخذ مال ذوي المال ويزعم أنه للمسودة . وهرب منه الناس إلى الجبال ، وسبك ما على رؤوس الأساطين من الذهب ، وكان ينزل مقدار يسير بعد جهد ، وقلعوا ما في المسجد الحرام من الشبابيك وباعوها بالبخس ، وأساؤوا السيرة جدا . فلما بلغه مقتل أبي السرايا كتم ذلك وأمر رجلا من الطالبيين شيخا كبيرا ، واستمر على سوء السيرة ، ثم هرب في سادس عشر المحرم منها ، وذلك لما قهر هرثمة أبا السرايا وهزم جيشه وأخرجه ومن معه من الطالبيين من الكوفة ، ودخلها هرثمة ومنصور بن المهدي فأمنوا أهلها ولم يتعرضوا لاحد . وسار أبو السرايا بمن معه إلى القادسية ، ثم سار منها فاعترضهم بعض جيوش المأمون فهزمهم أيضا وجرح أبو السرايا جراحة منكرة جدا ، وهربوا يريدون الجزيرة إلى منزل أبي السرايا برأس العين ، فاعترضهم بعض الجيوش أيضا فأسروهم وأتوا بهم الحسن بن سهل وهو بالنهروان حين طردته الحربية ، فأمر بضرب عنق أبي السرايا فجزع من ذلك جزعا شديدا جدا وطيف برأسه وأمر بجسده أن يقطع اثنتين وينصب على جسري بغداد ، فكان بين خروجه وقتله عشرة أشهر . فبعث الحسن بن سهل محمد بن محمد إلى المأمون مع رأس أبي السرايا . وقال بعض الشعراء : ألم تر ضربة الحسن بن سهل * بسيفك يا أمير المؤمنينا

--> ( 1 ) إسحاق بن سليمان الرازي الكوفي الأصل روى عن ابن أبي ذئب وكان عابدا خاشعا . ( 2 ) وهو عبد الله بن نمير الخارفي ، أبو هشام الكوفي ، صاحب حديث عاش بضعا وثمانين سنة وثقه ابن معين وغيره . والخارفي نسبة إلى خارف بطن من همدان نزلوا الكوفة . ( 3 ) ابن شابور من تقريب التهذيب ، وفي الأصل ابن سابور ، وهو محمد بن شعيب بن شابور الأموي مولاهم الدمشقي نزيل بيروت صدوق كان من علماء المحدثين وعقلائهم المشهورين مات وله 84 سنة . ( 4 ) يونس بن بكير : أبو بكر الشيباني الكوفي الحافظ صاحب المغازي . صدوق . قال ابن معين : ثقة وقال أبو زرعة : لا أعلمه مما ينكر عليه في الحديث وقال النسائي : ليس بالقوي .